DrDashti hombage ..

مفهوم الارهاب .. بين الاصل النظري والتطبيقي :

  منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الان لم توجد كلمة أكثر استخداما وتحليلا في مختلف وسائل الاعلام واكثر جدلا في مختلف الاحاديث والنقاشات من كلمة "الارهاب" ، وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع لهذه الكلمة فانه ليس هناك اتفاق حول التعريف الدقيق والمقبول من كافة الجماعات والاتجاهات المختلفة لهذا المفهوم ، مفهوم "الارهاب".

1- الارهاب في القواميس العالمية :

اولا : في اللغة العربية :

     تشتق كلمة "إرهاب" من الفعل المزيد (أرهب) ؛ ويقال أرهب فلانا: أي خوَّفه وفزَّعه، وهو نفس المعنى الذي يدل عليه الفعل المضعف (رَهّبَ) . أما الفعل المجرد من نفس المادة وهو (رَهِبَ)، يَرْهبُ رَهْبَةً ورَهْبًا ورَهَبًا فيعني خاف، فيقال رَهِبَ الشيء رهبا ورهبة أي خافه . أما الفعل المزيد بالتاء وهو (تَرَهَّبَ) فيعني انقطع للعبادة في صومعته، ويشتق منه الراهب والراهبة والرهيبة والرهبانية … إلخ، وكذلك يستعمل الفعل ترهب بمعنى توعد إذا كان متعديا فيقال ترهب فلانا : أي توعده . وكذلك تستعمل اللغة العربية صيغة استفعل من نفس المادة فتقول (استرهب) فلانا أي رَهَّبَه .(1)    

وفي القرآن الكريم :   " يلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح "الإرهاب" بهذه الصيغة، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من نفس المادة اللغوية، بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع، والبعض الآخر يدل على الرهبنة والتعبد، حيث وردت مشتقات المادة (رهب) سبع مرات في مواضع مختلفة في الذكر الحكيم لتدل على معنى الخوف والفزع كالتالي :

- (يَرْهَبُون) : "وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ". [الأعراف : 154 ]

- (فارْهبُون) : " وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ" [البقرة : 4]. "إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ" [النحل : 51]

- (تُرهِبُونَ): "تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ"[الأنفال:60

- (اسَتْرهَبُوهُم) : "وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ" . [الأعراف : 116]

- (رَهْبَةً) : "لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ" [الحشر : 13]

- (رَهَبًا) : " وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [الأنبياء : 90]

بينما وردت مشتقات نفس المادة (رهب) خمس مرات في مواضع مختلفة لتدل على الرهبنة والتعبد كالتالي :

ورد لفظ (الرهبان) في سورة [التوبة : 34]، كما ورد لفظ (رهبانا) في [المائدة : 82]، ولفظ (رهبانهم) في [التوبة : 31] وأخيرا (رهبانية) في [الحديد :27].

بينما لم ترد مشتقات مادة (رهب) كثيرا في الحديث النبوي ولعل أشهر ما ورد هو لفظ (رهبة) في حديث الدعاء : "رغبة ورهبة إليك" . ويلاحظ أيضا أن القرآن والحديث قد اشتملا على بعض الكلمات التي تتضمن الإرهاب والعنف، بمعنى استخدام القوة أو التهديد لتحقيق أهداف معينة، ومن هذه المفاهيم : العقاب والقتل والبغي والعدوان والجهاد… إلخ. (2)

ثانيا : في اللغة الانجليزية:

   تتكون كلمة "إرهاب" في اللغة الإنجليزية بإضافة اللاحقة ism إلى الاسمTerror بمعنى فزع ورعب وهول، كما يستعمل منها الفعل Terrorize بمعنى يرهب ويفزع .

ويرجع استخدام مصطلح Terrorism في الثقافة الغربية تاريخيا للدلالة على نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية إبان الجمهورية الجاكوبية في عامي [1973 – 1974] ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين المناهضين للثورة. وقد نتج عن إرهاب هذه المرحلة التي يطلق عليها Reign of Terror اعتقال ما يزيد عن 300 ألف مشتبه وإعدام حوالي 17 ألفا، بالإضافة إلى موت الآلاف في السجون بلا محاكمة.

وإن كان هناك من يرجع بالمصطلح والمفهوم إلى أقدم من هذا التاريخ كثيرا، حيث يفترض أن الإرهاب حدث ويحدث على مدار التاريخ الإنساني وفى جميع أنحاء العالم. وقد كتب المؤرخ الإغريقي زينوفون Xenophon  349-430ق.م ) - في سياق الثقافة الغربية – عن المؤثرات النفسية للحرب والإرهاب على الشعوب.

وقد استخدم حكام رومانيين من أمثال Tiberius  (14-37م )،Caligula (37-41م العنف ومصادرة الممتلكات والإعدام كوسائل لإخضاع المعارضين لحكمهما. ولعل محاكم التفتيش التي قام بها الأسبان ضد الأقليات الدينية (المسلمين أساسا) أهم محطات الإرهاب الرئيسية في تاريخ الثقافة الغربية .

وقد تبنت بعض الدول الإرهاب كجزء من الخطة السياسية للدولة مثل دولة هتلر النازية في ألمانيا، وحكم ستالين في الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث تمت ممارسة إرهاب الدولة تحت غطاء أيديولوجي لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية وثقافية.

واعتبرت منظمات وجماعات مثل جماعة "بادر ماينهوف" الألمانية، ومنظمة "الألوية الحمراء" الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني، والجيش الجمهوري الأيرلندي، والدرب المضيء البيروية، ومنظمة "إيتا" الباسكية، اعتُبرت من أشهر المنظمات الإرهابية في تاريخ القرن العشرين من منظور غربي. ويضاف إليها في السنوات الأخيرة العديد من المنظمات الإسلامية، على رأسها بالطبع تنظيم القاعدة. (3)

ثالثا: انماط الارهاب والتعريف الاقرب للاتفاق:

  أجرى ألكس شميد Schmid في كتابه عن الإرهاب السياسي (1983) استبيانا على مائة من الدارسين والخبراء في هذا المجال لتحديد مفهوم الإرهاب. توصلت نتائج الاستبيان إلى وجود عناصر مشتركة في تعريفات عينة المدروسين المائة، وهي:

- الإرهاب هو مفهوم مجرد بلا كنه محدد.

- التعريف المفرد لا يمكن أن يحصي الاستخدامات الممكنة للمصطلح.

- يشترك العديد من مختلف التعريفات في عناصر مشتركة.

- معنى الإرهاب ينحصر عادة بين هدف وضحية.

ويؤكد جوناثان وايت (1991) في مدخله عن الإرهاب على ضرورة عدم اكتفاء فهمنا من خلال مداخل سياسية، بل إن علم الاجتماع في غاية الأهمية في هذا السياق. ويؤكد على عدم وجود تعريف واحد لمفهوم الإرهاب؛ ولذلك فقد اقترح أن يعرف الإرهاب من خلال أنماط مختلفة للتعريف:

- نمط التعريف البسيط والعادي للإرهاب، ويعني عنفا أو تهديدا يهدف إلى خلق خوف أو تغيير سلوكي.

- النمط القانوني لتعريف الإرهاب، ويعني عنفا إجراميا ينتهك القانون ويستلزم عقاب الدولة.

- التعريف التحليلي للإرهاب، ويعني عوامل سياسية واجتماعية معينة تقف وراء كل سلوك إرهابي.

- تعريف رعاية الدولة للإرهاب، ويعني الإرهاب عن طريق جماعات تُستخدم بواسطة دول للهجوم على دول أخرى.

-         نمط إرهاب الدولة،ويعني استخدام سلطة الدولة لإرهاب مواطنيها.(4)

    خامسا الارهاب الدولي:

 يعرّف الإرهاب الدولي بأنه نوع من العنف غير المبرر وغير المشروع بالمقياسين الأخلاقي والقانوني الذي يتخطى الحدود السياسية، ويختلف الإرهاب عن ممارسة العنف السياسي الداخلي التي قد تنتهجها بعض القوى الثائرة أو الحركات المتمردة داخل الدولة الواحدة للنيل من السلطة الشرعية القائمة.

والإرهاب الدولي عادة ما يصطبغ بالصبغة السياسية كما أن الجماعات التي تمارسه هي في الغالب جماعات غير حكومية، وإن كان هذا في ذاته لا يمثل حائلا بينها وبين الحصول على التشجيع المادي والمعنوي لبعض الدول والحكومات.

وبعيدا عن الأسباب التي تساعد على انتشار الإرهاب الدولي فقد طرأت في الحقبة الأخيرة مستجدات عديدة زادت كثيرا من أخطاره ومضاعفاته الدولية، منها على سبيل المثال: ضلوع العديد من الدول والحكومات وتواطؤها مع منظمات الإرهاب الدولي، والتكاثر السرطاني لخلايا وشبكات الإرهاب الدولي، وقد وصل البعض بعددها إلى ثلاثمائة وثمانين منظمة منتشرة في أكثر من ستين دولة، والتقدم التكنولوجي الكبير الذي استفادت منه هذه المنظمات في نطاق الاتصالات وجمع المعلومات والتزود بمعدات فنية متطورة. (5)

فالخلاصة هي : باستثناء القاموس الامريكي والذي سنتناوله الان يوجد شبه اتفاق على الاقل بان الارهاب في اللغة يعني التخويف وفي المعنى الدولي هو ارهاب جماعات بريئة سواء بالقتل او غيره بهدف تحقيق هدف سياسي وهذا التعريف الذي سنعتمد عليه .

2- الارهاب في القاموس الامريكي(6) :

 اولا القاموس الامريكي :

        قبل تعريف مصطلح الارهاب الدولي في القاموس الامريكي يجب علينا اولا ان نعطي توضيح عن هذا القاموس والذي كثيرا ما يلجأ اليه الرئيس الامريكي بوش الابن في اختياره للمصطلحات التي يستخدمها في خطاباته .

       يرجع تاريخ هذا القاموس مع بداية هجرة البروستانت من اوربا الى ارض القارة الجديدة –القارة الامريكية - ، حيث بدأ هؤلاء الاوروبيين البروستانت باطلاق اسم "الارض الموعودة" على ارض هذه القارة الجديدة ، والتي ستقام عليها دولة طاهرة ستعجل من ظهور المسيح ع ، وهذه –على الظاهر- كانت اول كلمة تكتب في هذا القاموس ، من بعدها البربر او الهمج  كما كانوا يطلقون على الهنود الحمر سكان امريكا الاصليين كما كشف جاك بيتي محرر كتاب العملاق  تقريرا كتب عام 1624  وفيه ما يلي: إن الخلاص من الهنود الحمر أرخص بكثير من أية محاولة لتمدينهم ، فهم همج، برابرة، عراة، متفرقون جماعات في مواطن مختلفة(6) فمن هم اصحاب حق ومدافعون عن ارضهم يعتبرون حسب القاموس الامريكي همج رعاع فلا نستغرب توافق خطابات بوش الابن او غيره مع مصالح الصهيونية في وصف شارون كرجل سلام ومن يقاومون دفاعا عن حق يعتبرون همج رعاع وعلى لسان بوش الابن تنطلق مفردات من القاموس الامريكي مثل "الحملة الصليبية" و "حرب الحضارة ضد البربر" و"ضرورة انتصار الغرب على الاسلام" ، واشهر مفردات هذا القاموس في هذه الفترة هو تعبير "محور الشر" والذي يطلق على كل من ايران والعراق وكوريا الشمالية ، وهذا ما يطلب من العقل تركيزا اكثر للاجابة على سؤال : اذا من هم محور الخير في هذا القاموس؟ نجيب طبعا الولايات المتحدة و(اسرائيل) .

   ولنقف قليلا عن احد هذه المفردات الامريكية والتي هي تعابير كما هي باقي المصطلحات عن عقلية الناطق بهذه المفردات او المصطلحات ، "من ليس معنا فهو ضدنا" فلا يوجد في القاموس الامريكي من هو محايد ، فكل من لم يقف معها فهو مع الارهاب ومع البربرية والهمجية .

   هذه لمحة بسيطة تعريفية للقاموس الامريكي وطبيعته ، فهو باختصار قاموس لا يؤمن بمشاعر الشعوب الاخرى ولا بلغاتها ، قاموس ربه هو المصلحة الامريكية والذي يكون عائق امام تحقيق هذه المصلحة يتحقق فيه كل المفردات السيئة والبذيئة مهما كان هذا العائق ، وان اتفقت كل المعاجم والمصطلحات الناتجة عن بحوث لغوية او اصطلاحية بان هذا العائق هو عائق خير واخلاق ومبادئ ، فهذا لا يهم هذا القاموس ، المهم هو المصلحة الامريكية .

   ثانيا تعريف الارهاب في القاموس الامريكي :

        بعد ان عرفنا ملامح هذا القاموس الامريكي الغريب ، نود ان نبحث عن مادة رهب وما تعني كلمة الارهاب في هذا القاموس فنجد التالي : الحكومة الايرانية التي ما ان تدعوا الشعب بالخروج للتظاهرات فتعم شوارع ايران بالمتظاهرين يعتبر بالقاموس الامريكي حكومة ارهابية ، وتدخل الجيش التركي لطرد نجم الدين اربكان من سدة الحكم وهو الذي اختير بطريقة ديموقراطية ليس بارهاب ، كلمة شارون في القاموس الامريكي تعني رجل سلام وهو في جميع القواميس اللغوية يرتكب تعني مجرم حرب مرتكب مجازر بشعة  في صبرا وشاتيلا ونابلس وجنين وغزة وغيرها. تمويل حزب الله والجهاد وباقي الجماعات المقاومة في فلسطين يعتبر تمويل الارهاب ، ودعم وتمويل الكيان الصهيوني او غيره من نظم استبدادية – طبعا ديموقراطية شعبية في القاموس الامريكي- هو الانحياز في القضية وللوصول الى الحل السلمي .

   اذا ماذا تعني كلمة الارهاب حين ينطقها عضو في مجلس الشيوخ الامريكي او الرئيس الامريكي ؟ من خلال تتبع تاريخ المصطلحات الامريكية والتي تتجسد باختصار على لسان بوش الابن او كولن باول او رامسفيلد ، وتاريخ الممارسات الامريكية فان المقصود ليس تخويف الامريكان الابرياء ، فالحكومة الامريكي هي نفسها قامت باعمال مخيفة للامريكان انفسهم ، فهذا وثيقة صادرة من منظمة العفو الدولية رقم  AMR 51/36/98/A تتحدث عن عدة أمور سأكتفي بطرح بعض الفقرات منها كما جاءت بالوثيقة حرفياً:
"
وتفشى وباء العنف في كثير من سجون الولايات المتحدة و معتقلاتها . و قد تفاقمت المشكلة نتيجة لاكتظاظ السجون ، و قلة عدد موظفيها "
"
و يوجد في سجون الولايات المتحدة أكثر من 1700000 شخص نصفهم من الأمريكيين الأفارقة"
"
و تم في السنوات الاخيرة تطوير سلسلة واسعة من التقنيات المصممة للسيطرة على السجناء و شل قدرتهم عن الحركة ، و نجم عن ذلك ممارسات قاسية و مهينة و خطرة على الحياة في بعض الاحيان . فقد توفي مايكل فالينت في مارس 1997 في سجن ولاية يوتـــــاه ،  بـــعد أن كبل بالاصفاد على كرسي التقييد مدة 16 ساعة" . وسنخصص لهذا الموضوع مكان من هذا البحث .(8)

   فالارهاب في القاموس الامريكي هو وبكل بساطة : كل عائق او حتى معارض  صامت لا يعلن التأييد لسياسات الولايات المتحدة سواء في الداخل او الخارج سواء استخدم ادوات لاظهار المعارضة ام لم يستخدم ، فكل من يقف ضد امريكا ومصالحها فهو ارهابي  ، وللعلم بان التعريف هذا كان غامضا قبل احداث 11 سبتمبر لكنه بدا اكثر وضوحا الان من خلال ما نسمعه وما نراه من الحكومة الامريكية .

3-  موقف الاسلام من الارهاب الاصطلاحي المتفق والارهاب في القاموس الامريكي:

      قد قرانا مفهوم الارهاب من منظوري مختلفين ، المنظور العالمي ان صح التعبير والذي هو متفق عليه في القواميس اللغوية و المعاني الاصطلاحية ،والمنظور الامريكي ، ولنقف الان قليلا لنبين موقف الاسلام وعلماء المسلمين من مفهوم الارهابين السابقين . 

  اولا موقف النصوص القرآنية  :

        نجد في القرآن الكريم حث صريح على ارهاب العدو المعتدي الغاصب للحق( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ"[الأنفال:60) لان ذلك يعتبر نوعا من الجهاد، ولكنه في نفس الوقت شدد على مقاتلة الذي اخرجوا المسلمين من ديارهم وليس المسالمين الذين هم الابرياء  لقوله تعالى : لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة 8 ).

ثانيا : موقف علماء المسلمين :

     قد اقتطفنا من بيان مجمع البحوث الاسلامية بالازهر بشان ظاهرة الارهاب وقد صدر بتاريخ 1 نوفمبر 2001م :

   وأمام هذا الواقع الضار بعلاقات التعارف والتحاور والتعايش والتعاون بين الأمم والشعوب والثقافات والأديان والحضارات يتوجه (مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف) إلى كل العقلاء على اختلاف أديانهم وحضاراتهم ومذاهبهم بعدد من الضوابط التي ينبغي أن تُراعى في دوائر الفكر والثقافة والإعلام وفي السياسات والعلاقات:

أولها: أن الإسلام يرى في تعدد الشرائع والملل والقوميات والثقافات والحضارات سنة من سنن الله تعالى، وقانونا كونيا لا تبديل له ولا تحويل؛ لقوله عز وجل {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: 118، 119).

وأن التعايش والتحاور والتعارف بين الأمم والشعوب هو السبيل إلى بقاء هذه التعددية، وإلى تعاون أطرافها جميعا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13).

وثانيها: أن تعايش الأمم والشعوب، وتقدم الإنسانية مرهون بسيادة منظومة القيم والأخلاق الإيمانية، وفي مقدمتها قيمة العدالة.. واحترام مبادئ القانون الدولي، وسلطة المؤسسات الدولية، بدلا من النظام العالمي القائم، الذي يتجاهل مبادئ القانون الدولي، ويحول العالم إلى غابة يفترس فيها الأقوياءُ الضعفاءَ؛ الأمر الذي يدفع جماعات من المستضعفين إلى استخدام العنف، ردًّا على القوى المتجبرة والمستكبرة.

وثالثها: ضرورة التحديد في الفكر والثقافة والإعلام للمفاهيم المقصودة من وراء المصطلحات التي شاعت في خضم هذه الحملة المحمومة ضد الإسلام والمسلمين:

فالإرهاب: هو ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم ومقومات حياتهم، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم، وكرامتهم الإنسانية، بغيًا وإفسادًا في الأرض. ومن حق الدولة التي يقع على أرضها هذا الإرهاب الأثيم أن تبحث عن المجرمين، وأن تقدمهم للهيئات القضائية لكي تقول كلمتها العادلة بشأنهم.

 ويستأنف بعد وقفة مع تعريف الجهاد الاسلامي :

وحتى عندما يضطر المسلمون إلى القتال دفاعًا عن أوطانهم، وحماية لحريتهم في الاعتقاد؛ فإن للإسلام آدابًا وأحكامًا واضحة، تحرم قتل غير المقاتلين، كما تحرم قتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال، وتحرم عليهم كذلك تتبع الفارين، أو قتل المستسلمين، أو إيذاء الأسرى، أو التمثيل بجثث القتلى، أو تدمير المنشآت والمواقع والمباني التي لا علاقة لها بالقتال.

ورابعها: أن كل العقلاء من كل الأديان والحضارات قد أجمعوا على أن معالجة أسباب المشكلات والأمراض لا بد أن تسبق معالجة الأعراض.

وفي عالم تتسع فيه ظواهر استخدام العنف لا يمكن التسوية بين عنف الطغاة الذين يغتصبون الأوطان، ويهدرون الكرامات، ويدنسون المقدسات، وينهبون الثروات، مُتحدِّين بهذا مبادئ العدالة الإنسانية، وقرارات الشرعية الدولية - نقول: لا يمكن التسوية بين عنف هؤلاء الطغاة المعتدين، وممارسة حق الدفاع المشروع، الذي يجاهد به المستضعفون لاستخلاص حقوقهم المشروعة، التي قررها لهم الحق الفطري في  تقرير المصير، إضافة إلى الحقوق التي قررتها الشرعية الدولية.(9)

 ايضا وجه سؤالا لمرشد الجمهورية الاسلامية ايه الله السيد علي الخامنائي دام ظله كان من جواب سماحته : لا معنى للقول بأن حفظ الإسلام المحمدي الأصيل يتوقف على قتــل شخـــص بريء(10) . فالاسلام  وقف موقفا واضحا من تعريف الارهاب الذي يشمل في تعريفة قتل الابرياء .

    فموقف الاسلام- من خلال ما نقلناه- من المفهوم العالمي للارهاب بدا واضحا فانه يعارض قتل الابرياء والذين لم يخرجونا من ديارنا ، اذا الاسلام يحرم بان نكون ارهابيين بالمفهوم العالمي الذي استعرضناه في البداية.

    أما موقف الاسلام من المفهوم الامريكي فالاسلام يوجب علينا الوقف ضد من يستخدم معايير مزدوجة (ذو الوجهين) ، والذي يغض الطرف عن مجازر ترتكب ويبارك لهذه المجازر ، والذي يزود من اخرجنا من ديارنا بالسلاح والعتاد والمال والتكنولوجيا ، والذي يستمر في قتل الابرياء بسبب حصار جائر يفرضه ، ويقتل ابرياء في موضع اخر بالصواريخ ، وعندما يسيء الى الدين ويشوه صورته متعمدا، والذي يسرق ثروات البلاد ويتحكم باقتصادنا وتغتال الكرام منا . والولايات المتحدة التي  ترتكب كل هذه الجرائم ترى بان من يقف ضدها –أي ضد مصالحها- ارهابيا ، فالاسلام يوجب علينا بان نقف ضد هذا الاستكبار والظلم وبان نكون ارهابيين بالمفهوم الامريكي مع ملاحظة مهمة بان قتل الابرياء غير جائز في الاسلام بتاتا ، فالوقوف ضد المصالح الامريكي يكون بعيدا عن ادخال جماعات بريئة لا دخل لها .

   وفي ختام هذا الفصل نستخلص الاتي :

·       يوجد شبه وفاق بين القواميس العالمية في تعريف مفهوم الارهاب بانه تخويف وارعاب لاشخاص ابرياء ، وتعريف الارهاب الدولي بانه تخويف وارعاب او قتل اشخاص ابرياء لتحقيق مآرب سياسية .

·       يوجد قاموس واحد فقط يختلف جذريا عن تلك القواميس وهو القاموس الامريكي الذي يعرف الارهاب بشكل عام بانه أي عائق يقف ذد المصالح الامريكية.

·       موقف الاسلام من مفهوم الارهاب العالمي واضح فهو يعارض قتل او تخويف الابرياء ، اما من مفهوم الامريكي للارهاب فانه يوجب بان نقف ضد المصالح الامريكية (المتعدية لحدودها) والاستكبارية أي بان نكون ارهابيين في المفهوم الامريكي لكن وطبعا دون قتل الابرياء .

       نعم ونحن نعارض ايضا من يقف ضد تفجيرات نيروبي ودار السلام ، ونقف ايضا ضد ما حدث في 11 سبتمبر ونعزي كل عائلات ضحاية هذا العمل ، ولكن لنتسائل من الذي يقف وراء هذا العمل ؟ وما هي الاسباب التي دفعت الفاعلين الى هذا العمل؟ وهل نحاسبهم فقط ؟ هل نحاسب فقط من عمل هذا الارهاب؟ ام يجب علينا محاسبة كل عمل ارهابي ؟

 

 

الهوامش

 

(1) مفهوم الارهاب .. بين الاصل والتطبيق : موقع اسلام اون لاين

(2) نفس المصدر السابق

(3) نفس المصدر السابق

(4) نفس المصدر السابق

(5) نفس المصدر السابق

(6) ما نقصده بالقاموس الامريكي هو تعبير مجازي لنصف مجموعة المصطلحات والتعابير الغريبة التي يطلقها المسؤولين الامريكيين .

(7) مقالة للدكتور محمد مسفر بموقع القلم : www.aqalam.culub.chmesfer27.htm

(8) وثيقة AMR 51/36/98/A  الصادرة من منظمة العفو الدولية

(9) بيان مجمع البحوث الاسلامية بالازهر بشأن ظاهرة الارهاب (القاهرة 15 شعبان 1422 هـ الموافق 1 نوفمبر 2001 م)

(10) استفتاءات القائد – الاصدار الاول : الجهاد الابتدائي س5 .

      لم نختار الازهر لكونه الممثل الوحيد لعلماء المسلمين بل لاننا وجدنا في بيانهم ما يتفق عليه باقي الاتجاهات الاسلامية ، وكذلك مرجعية مرشد الجمهورية الاسلامية لكون فتواه متفق عليه عند باقي المرجعيات الدينية .