|

قام نور الدين محمود بإحياء نهضة إسلامية أكدت على تكامل الحل الإسلامي، وقد
تم التعبير عنها من خلال:
1-
القيادة الإسلامية الصادقة
وتمثلت في شخصه وأشخاص من حوله من القادة والمسؤولين والعلماء. فقد كان
للتكوين النفسي والشخصية المميزة لنور الدين محمود أثرهما الكبير في وجود
قيادة إسلامية واعية، جادة، مجاهدة.
قال ابن الأثير: «طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، وفيه إلى
يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من
الملك العادل نور الدين»(45). فلقد كان «ذكياً، ألمعياً، فطناً، لا تشتبه
عليه الأحوال، ولا يتبهرج عليه الرجال»، ولم يتقدم لديه إلا ذوو الفضل،
والقدرة على الإنجاز الأمين المسؤول للعمل، ولم ينظر في تقديمه للرجال إلى
المكانة الاجتماعية أو للجنس والبلد(46).
كما عرف نور الدين بتقواه وورعه فقد كان حريصاً على أداء السنن وقيام الليل
بالأسحار. فكان ينام بعد صلاة العشاء ثم يستيقظ في منتصف الليل فيصلي
ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن الفجر. كما كان كثير الصيام(47).
وتميز بفقهه وعلمه الواسع فلقد تشبه بالعلماء واقتدى بسيرة السلف الصالح،
وكان عالماً بالمذهب الحنفي، وحصل على الإجازة في رواية الأحاديث وألف
كتاباً عن الجهاد(48).
وكان ذا طبيعة جادة، كما رزقه الله قوة الشخصية فكان «مهيباً مخوفاً مع
لينه ورحمته» ومجلسه «لا يذكر فيه إلا العلم والدين والمشورة في الجهاد» «ولم
يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا رضى صموتاً وقوراً»(49).
وكان زاهداً متواضعاً فقد «كان أدنى الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير
اكتناز، ولا استئثار بالدنيا»، وعندما شكت زوجته الضائقة المادية أعطاها
ثلاثة دكاكين له بحمص وقال «ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن
للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض في نار جهنم لأجلك»(50).
قال له الشيخ الفقيه قطب الدين النيسابوري يوماً «بالله عليك لا تخاطر
بنفسك وبالإسلام، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه
السيف». فقال له نور الدين «يا قطب الدين!! ومن محمود حتى يقال له هذا؟
قبلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو»(51).
وعلى اتساع نفوذه وسلطانه جاءه التشريف من الخلافة العباسية وتضمن قائمة
بألقابه التي يذكر بها على منابر بغداد تقول «اللهم أصلح المولى السلطان
الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر
نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة
ومعزها، رضي الإمامة وأثيرها، فخر الملة ومجدها شمس المعالي وملكها، سيد
ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي العدل في العالمين، منصف المظلوم من
الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين»!! فأوقف هذا كله واكتفى بدعاء واحد هو
«اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي»(52).
وعرف باتساع شعبيته وحب الناس له حتى في البلاد التي لا يحكمها، وكان
يستشعر إحساساً عظيماً بالمسؤولية تجاه الزمن أن يضيع وتجاه الدم المسلم أن
يراق والكرامة الإسلامية أن تهدر والأرض الإسلامية أن تستباح فكان يصل في
عمله الليل بالنهار. وكان لا يهمل أمراً من أمور رعيته(53).
وحباه الله تكويناً عسكرياً فذاً حمل من خلاله تكاليف الجهاد الشاقة 28
عاماً بنفسية جهادية صادقة(54).
2-
التزام أحكام الإسلام وتطبيقها
حرص على تطبيق أحكام الإسلام على الجميع، وكان قدوة في الالتزام بها،
وطبقها على مسؤولي الدولة وقادتها، وكما حرص على رد الحقوق إلى أصحاب
المظالم وكان يقول «حرام على كل من صحبني أن لا يرفع قصة مظلوم لا يستطيع
الوصول إليَّ»، وفي توحيده لبلاد المسلمين كان يحرص على عدم إراقة دماء
المسلمين ولذلك كان ذا صبر وحكمة وتأن في ذلك، لقد كان رحمه الله يحفظ
الشريعة المطهرة ويقف عند أحكامها(55).
ورغم اضطراره للاصطدام بالعديد من زعماء المدن والقلاع المسلمين في سعيه
لتحقيق الوحدة أو لتحالفهم مع الفرنج...، إلا أن دم المسلم كان عنده عظيماً،
وكان «لا يقصد ولاية أحد من المسلمين إلا لضرورة، إما ليستعين على قتال
الفرنج أو للخوف عليها منهم»(56). وعندما تحالف حكام دمشق مع الصليبيين سنة
544هـ جاهد الصليبيين دون إيذاء المسلمين وضياعهم، وقال «لا حاجة لقتل
المسلمين بعضهم بعضاً وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين».
لقد شاهد الدماشقة حرمته حتى تمنوه، ودعوا الله أن يكون ملكهم(57).
وعندما رفع عليه أحدهم قضية إلى القاضي، استدعاه القاضي فقال: السمع
والطاعة «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن
يقولوا سمعنا وأطعنا»، إني جئت ها هنا امتثالاً لأمر الشرع». وفي مرة أخرى
دعي للقضاء فاستجاب ولما ثبت أن الحق مع نور الدين وهب لخصمه ما ادعاه
عليه(58).
لقد ألغى رحمه الله الضرائب التي تزيد عن الحد الشرعي رغم ما كانت تدر من
دخل كبير على ميزانية الدولة ورغم ما يمكن تبرير وجودها -عند البعض- بظروف
البلاد والحرب(59). وكان يقول «نحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق... أفلا
نحفظ الدين ونمنع ما يناقضه»(60). وكان أشهى شئ عنده كلمة حق يسمعها أو
إرشاد إلى سنة يتبعها(161).
3-
البناء الإيماني والتربوي والثقافي
وفي هذا المجال استقدم العلماء العاملين وأفسح لهم مجال العمل والدعوة،
وسعى في بناء المدارس والمساجد وأوقف عليها الأوقاف، وحارب البدع والأضاليل...
فانتشر نور الإيمان والعلم بين الرعية. وأحيا سمت احترام العلماء وتوقيرهم
فرغم أن الأمراء والقادة لم يكونوا يجرؤون على الجلوس في مجلسه دون أمره
وإذنه... فإنه كان إذا دخل العالم الفقيه أو الرجل الصالح قام هو إليه
وأجلسه وأقبل عليه مظهراً كل احترام وتوقير(62). وكان يقول عن العلماء إنهم
«هم جند الله وبدعائهم نُنصَر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما
أعطيهم فإن رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا»(63). لقد كانت بلاد الشام
خالية من العلم وأهله، وفي زمانه صارت مقراً للعلماء والفقهاء
والصوفية(64). وكان يسمع نصيحة العلماء ويجلها ويقول «إن البلخي إذا قال لي:
محمود، قامت كل شعرة في جسدي هيبة له ويرقُّ قلبي»(65).
4-
الإعمار والبناء الحضاري والاجتماعي:
عرف نور الدين بشخصيته التي تهتم بأحوال المسلمين وتحيي معاني التكافل
والتعاون والتضامن بينهم وترفع عنهم معاناتهم وأحوالهم الصعبة... فلقد عمل
على كفالة الأيتام وتزويج الأرامل وإغناء الفقراء وبناء المستشفيات
والملاجئ ودور الأيتام والأسواق والحمامات والطرق العامة، وتوطين البدو
وإقطاعهم الأراضي حتى لا يؤذوا الحجاج. لقد ارتقى بالخدمات التي تقدم
للمسلمين فأحبه الشعب وأصبحت صلته بالشعب متينة قوية...، وسرت هذه النفسية
البناءة المحبة للخير إلى نفوس رجاله فأصبحوا يتسابقون في خدمة الناس وبناء
المدارس والمستشفيات والملاجيء ووسائل الخدمات المختلفة(66).
5-
البناء الاقتصادي:
رتب نور الدين ديوان الزكاة في عهده ونظم جبايتها وتوزيعها وفق الأسس
الشرعية، وشجع التجارة بتأمين طرق المواصلات ورفع الضرائب التي تثقل حركة
التجارة، وسعى في كل ما يقوي الدولة ويدعم بنيانها الاقتصادي(67).
6-
البناء الجهادي العسكري:
فلقد سعى في إحياء المعاني الجهادية في النفوس وتربية الأمة على معانيها
وتكريس عزة المسلمين ومنعتهم وقوتهم، وبذل الجهد في توفير العدة والعتاد
واختيار القادة المناسبين، وحماية المدن وبناء الأسوار والحفاظ على أرواح
المسلمين، وتميز بحزمه وقوته في ذلك وكان رده عنيفاً جداً على الأعداء إذا
انتهكت حرمات المسلمين، ومن ذلك أنه لم يكد يمر على استلامه للحكم شهر واحد
حتى هاجم الصليبيون الرها ظانين أن الحاكم الجديد ضعيف ولكن نور الدين هاجم
الصليبيين وقتل ثلاثة أرباع جيشهم الذي هربت فلوله وقد عرفت من يكون هذا
القائد الجديد، وحصل مرة أن هاجم الصليبيون نور الدين وجزءاً من جيشه على
حين غفلة فأقسم نور الدين أن لا يستظل بسقف حتى ينتقم للإسلام وكان انتقامه
رهيباً في معركة حارم إذ قتل منهم الآلاف(68).
حتى الرياضة استفاد منها في مجال الإعداد الجهادي فلقد كانت الحرب تجري في
ذلك العصر على الخيول... ولبناء هذه المهارة في التحكم بالخيول وحركتها كان
يلعب بمهارة كبيرة لعبة الكرة من فوق الخيول (البولو)(69)!!
لقد حرص على تعبئة طاقات الأمة للجهاد... وهو في بذله لأسبابه لم ينس دعاء
الضعفاء والعجائز والمحتاجين فكان يحسن إليهم ويذكر أنه ربما ينتصر ببركة
دعائهم.
بهذا البناء المتكامل والإعداد الجاد المتزن دخل نور الدين مرحلة التغيير
الجذري على الساحة السياسية ليحقق أمرين سار بهما في اتجاهين متوازيين هما:-
-
تحقيق الوحدة الإسلامية وتعبئة قواها في بوتقة واحدة.

-
تحطيم القوى الصليبية تدريجياً: بإضعاف هيبتها، وإنهاك قواها، والتحرير
التدريجي لأرض المسلمين الواقعة تحت سيطرتها... وذلك بانتظار استكمال
الوحدة الإسلامية لتحقيق نصر حاسم ونهائي على هذه القوى الصليبية.


|