|

ولم تخل
هذه المرحلة 569-582هـ، 1174-1186م من معارك عنيفة(95) مع الصليبيين أسهمت
في المحافظة على هيبة المسلمين، والتعرف على إمكانات العدو ونقاط ضعفه،
واستدراك جوانب النقص عند المسلمين، وعدم إعطاء العدو فرصة للتقوِّي
والتمدد والانتشار، إلا أن صلاح الدين لم يدخل في معركة فاصلة مع
الصليبيين.
ونمر هنا على أهم الوقائع مع الصليبيين في تلك الفترة، ففي سنة 570هـ هزم
المسلمون الأسطول الصليبي القادم من صقلية والذي هاجم الإسكندرية بخمسين
ألف رجل هزيمة كبيرة(96). وفي 573هـ هاجم صلاح الدين الفرنج من جهة مصر حتى
وصل عسقلان وفتحها وأسر وقتل وأحرق، ثم انساح جند صلاح الدين لما رأوا أن
الفرنج لم يظهر لهم عسكر وسار صلاح الدين للرملة وهناك فاجأهم الفرنج
وهزموهم ورجع صلاح الدين في نفر يسير ومشقّة شديدة(97)، وكان درساً قاسياً
له. وفي نفس العام حاصر الفرنج حماة وحارم وفشلوا، وهزم الفرنج في العام
التالي عند حماه(98). وفي 575هـ أغار صلاح الدين على مناطق سيطرة الفرنج
وخرب الحصن الذي أقاموه بمخاضة الأحزان قرب بانياس، ووقعت معركة شديدة
انتصر فيها المسلمون ونجا ملك الفرنج وأسر عدد من قادتهم: ابن بيرزان صاحب
الرملة ونابلس وهو أعظم الفرنج محلاً عند الملك، وأسر أخوه صاحب جبيل، كما
أُسر صاحب طبرية ومقدم الداوية وصاحب جنين(99).

وفي 578هـ قام صلاح الدين بغارات على أطراف مناطق سيطرة الفرنج مُركِّزاً
على الشوبك والكرك، وفتح المسلمون الشقيف من أعمال طبرية على يد فرخشاه
(والي دمشق)، واقتحم فرخشاه بيسان وغنم ما فيها، وسارت العرب فأغارت على
جنين واللجون حتى قاربوا عكا(100). وفي نفس العام هزم أسطول صلاح الدين
الأسطول الذي سيره أرناط (رونالد دي شاتيون) حاكم الكرك في البحر الأحمر
للتخريب في سواحل المسلمين ومهاجمة مكة والمدينة...، وأرسل بعض أسرى الفرنج
إلى منى لينحروا عقوبة لمن رام إخافة حرم الله(101).
وفي 579هـ عبر صلاح الدين نهر الأردن في 19 جمادى الآخرة فقصد بيسان
وأحرقها وخربها «وأغار المسلمون على تلك الأعمال يميناً وشمالاً ووصلوا
فيها إلى مالم يكونوا يطمعون في الوصول إليه والإقدام عليه». كما غزا صلاح
الدين الكرك، وعاد فحاصرها في السنة التالية دون جدوى ثم سار (580هـ) إلى
نابلس ونهب كل ما على طريقه من البلاد فلما وصل نابلس أحرقها وخربها وقتل
فيها وسبى وأسر، وسار إلى سبسطية فاستنقذ جماعة من أسرى المسلمين، ووصل إلى
جنين فنهبها وخربها وعاد إلى دمشق وهو يبث السرايا عن يمينه وشماله يغنمون
ويخربون أملاك الفرنج(102).

وفي سنة 582هـ مات ملك الفرنج في بيت المقدس وتولى مكانه طفل صغير وحدث
خلاف وطمع في السلطة بين الفرنج جعل صاحب طرابلس يراسل صلاح الدين ويتحالف
معه ضد أقرانه من الفرنج. وفي السنة نفسها غدر صاحب الكرك أرناط بقافلة
عظيمة للمسلمين فأخذها عن آخرها وغنمها، ولم يستجب لطلب صلاح الدين ووعيده
بإطلاقها، فأقسم صلاح الدين ليقتلنه إن ظفر به(103).
وهكذا دخلت سنة 583هـ وقد نضجت ظروف الإعداد للمعركة الفاصلة من توحيد لقوى
المسلمين، ومن كسر لهيبة الصليبيين وخبرة أوسع في فن التعامل معهم، وبهذا
دخل صلاح الدين معركة حطين. وقبل الإشارة إلى معركة حطين نقف قليلاً عند
استرتيجية العمل لدى صلاح الدين.

|